اسد حيدر
199
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ويعطينا الخطابي « 1 » في كتابه معالم السنن صورة عن الخلاف الذي حصل بعد المائة الثالثة بين فقهاء المسلمين ومتبعي المذاهب إذ يقول : رأيت أهل زماننا انقسموا إلى فرقتين : أصحاب حديث وأثر ، وأهل فقه ونظر ، ووجدت هاتين الفرقتين إخوانا متهاجرين . أما أهل الحديث والأثر فإن الأكثر منهم إنما كدهم الروايات وجمع الطريق ، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب لا يراعون ولا يفهمون المعاني ، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم مخالفة السنن . وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر ، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله ، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ، إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها ووافق آراءهم التي يعتقدونها ، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان قد اشتهر عندهم ، وتعاورته الألسن فيما بينهم من غير تثبت فيه ، أو يقين علم به ، ولو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاده من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرءوا له العدة ، فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون في مذهبه إلا على ما كان من رواية ابن القاسم وأشهب ، فإذا جاءت رواية عبد اللّه بن الحكم وأضرابه لم يكن عندهم طائلا ، وترى أصحاب أبي حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن ، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذوي روايته قول بخلاف لم يقبلوه ولم يعتمدوه . وكذلك تجد أصحاب الشافعي ، إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي ، فإذا جاءت رواية خزيمة والجرمي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ، ولم يعتدوا بها في أقاويله . وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأساتذتهم . فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقتنعون في أمر هذه الفروع
--> ( 1 ) هو الشيخ حمد ( بفتح الحاء وسكون الميم ) بن محمد بن الخطاب البستي قال السمعاني : كان الخطابي حجة صدوقا رحل إلى العراق والحجاز وجال في خراسان وخرج إلى ما وراء النهر وقال السبكي في طبقات الشافعية : كان إماما في الفقه والحديث واللغة ، وقال الذهبي : كان ثقة من أوعية العلم ، وقال البهنسي : إنه من الأعلام المجتهدين في قواعد الأحكام توفي سنة 388 ه - .